صلاح عبد الفتاح الخالدي

106

مفاتيح للتعامل مع القرآن

ومما يلفت النظر هنا أن تفتتح أول آية في القرآن - حسب النزول - بالعقيدة ، وأن تختتم آخر آية منه بالعقيدة ، وأن يكون بين الآيتين فترة زمنية مدتها ثلاثة وعشرون عاما ، نزلت فيها آيات في موضوعات القرآن وتوجيهاته ومبادئه وتشريعاته . . ولهذا دلالات - تربوية وتصورية - على أهمية العقيدة أولا ، وعلى ضرورة الاستمرار في التذكير بها والتركيز عليها ، وعلى ربط كافة المناهج والتشريعات بها لضمان الالتزام بها وأدائها ، وعلى إقبال المربين والموجهين عليها لتكون مادة التربية وأساس التوجيه ، وعلى أهمية التذكير باليوم الآخر ، وربط القلوب به لاستقامة الحياة . . وغير ذلك من إيحاءات ودلالات . . ولو وقف القارئ البصير أمام قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) [ الأنعام : 1 ] وحاول استخراج دلالاته وإيحاءاته فإنه سيقف على رصيد ضخم منها ، ومن أهمها : أن الحمد والشكر والثناء لا يكون في الحقيقة إلا للّه ، لأنه هو مصدر الخيرات والنعم ، وحمد الناس لكونهم وسائط لها وأسبابا ، وهو في الحقيقة حمد للّه الذي أوجد في قلوب المحسنين والمنعمين الرأفة والرحمة على بنى البشر . ومنها أن اللّه هو الخالق لكل ما في السماوات والأرض ، وهذا رد على الملحدين الذين ينسبون الخلق إلى الطبيعة ، وأن اللّه هو الجاعل للظلمات والنور ، وهذا رد على الثنوية والمجوس الذي يجعلون للكون إلهين : إلها للخير وإلها للشر . وأن اللّه وحده لا شريك له ، ولهذا ضل المشركون الذين عدلوا به الأصنام أو ساووا به الأوثان . . ومنها أن الآية تقرر حقيقة ما عليه الكفار من عقول وتصورات ،